مَن؟
إن كان ما يرعب أغلب البشر هو الأشباح والشياطين والجِن، إذن فهم سطحيون، لَم يتخطوا حاجز خيال الدماغ عند خداع عين صاحبها.
عندما تنظر للمرآة أثناء غسل وجهك وترى جزءً زائدًا على الحائط الأبيض، إلا أنه غير موجود وهذا مجرد وهمٍ لكنك ترتعب، إذن فأنتَ لَم تحاول التصالح مع خيالك لإنهاء هذا، لكن ماذا لو أن هذا الوهم تطور أكثر وصنع أصوتًا لصورته؟
.
.
.
دوامة. لا أخرجُ منها سِوى عن طريق جرح نفسي، عن طريق رؤية الدم ينزف من يدي لأنهار بعدها إما فقدانًا للوعي بسبب نقصان الدم، أو تألُمًا دون وصول النجدة.
أذكرُ هذا اليوم، كنتُ في إجازةٍ من العمل واستغللتُ الفرصة للبقاء في منزل والديّ البعيد عن عملي كي لا أضطر لتغيير خططي.
استيقظتُ صباح ذلك اليوم، ما إن فتحتُ عيني، رأيتُ شابةً لَم أرها قبلًا، ذات شعرٍ ذهبيٍّ طويل، تستند بظهرها عند الحائط كأنها انتظرتْ استيقاظي، سألتُها عن هويتها لكنها لَم تُجِب ولَم تعطي أي رد فعلٍ بتعابير وجهها، ثُم تحركتْ لخارج الغرفة كأنها لَم تكن تنتظرني منذ البداية... لِم كانت تقف إذن؟
تجاهلتُها؛ ربما هي ضيفة، أو ربما جزءٌ من حلمي الأخير قبل الاستيقاظ، قمتُ من مكاني أُنادي أمي أو أبي لا أعرف أين هم ولَم اتلقى ردًا، فقررتُ التوجه للمطبخ، إلا أن تلك الشابة خرجتْ منه وبيدها سكين ملطخة بشيءٍ أحمر، رفعتُ أنظاري عن السكين لأراها تحدق بي، وعندما تلاقت عينانا ابتسمت ثم اقتربت مني وسحبتني من معصمي نحو المطبخ، وقد لاحظتُ حينها أن الأرض كذلك مُلطخة بنفس الشيء، رفعتُ رأسي قليلًا لأرى وجه أمي تحدق بي بارتعاب وترقُّب، بجوارها جسد والدي ملقى على الأرض وقد تلطخ جسده... بالدماء؟
هل هو ميت؟
أكل هذا دم؟
شعرتُ بيد الفتاة ترفع يدي كأنها حاولت مناداتي، لكنها لَم تعطني السكين، بل إنها أسرعت بها نحو أمي وطعنتها لتخرج معها صوت صرخات أمي المرتعبة والمستنجدة بي، وأنا أقف في مكاني برعب يسيطر عليّ، إلى أن خارت قواها وهدأ صوتها وسكنَ كل شيء.
رفعت الشابة رأسها ونظرت نحوي بابتسامة مرحة.. هذا جنون.. وجهها مُلطخٌ بالدماء... هذه دماء أمي..
عُدتُ للخلف بارتعاب من تلك المجنونة، فقط حينها رأيتُ نور الحمام المُضاء بجواري لأرفع له رأسي وأرى وجه الفتاة الملطخ بالدماء مع شعرها الذهبي الطويل في المرآة، إنها أنا صاحبة تلك الملامح، تلك التي أطلقت شهقة عالية واتجهت نحو مرآة الحمام تحدق بها باستفسار لعلها تجد ردًا... أنا تلك الشقراء القاتلة....
دائما ما قيل أني جميلة، لكنني الآن أكره هذا الجمال وأكره رؤية وجهي الجميل، أخفضتُ أنظاري ليدي، حدقتُ بها للحظاتٍ ثم قبضتها بقوة وضربتها بالمرآة بكل ما لي من قوة لتنكسر وقد فعلتْ، الآن أنا أرى وجهي منقسم كما انقسام عقلي، ويدي تنزف بقوة شديدة.... لو أمكنني إخراج قطع الزجاج المطحونة من المرآة وإنهاء حياتي.
- : مريم!
أفقتُ على صوتٍ أعرفه، ثم يدان تسحباني للخلف مع قولها بارتعاب:
- ايه اللي عملتيه دا؟!
حركتُ أنظاري للمتحدث، إنها أمي ... ألم أقتلها قبل لحظات؟
كيف؟
لقد رأيتها تفارق روحها الآن .... لقد رأيتها تغرق في دمائها!
خرجتْ من فمي شهقات متتالية ثم بدأتُ بالصراخ، أنا المجنونة التي وُهِمَت بنفسها تقتل والديها!
التي تتمنى الانتحار بعدَ قتل أحبتها!
ثم أظلم كل شيء
أظنني فقدتُ وعيي، ولا أذكر ما جرى بعدها.
تمت

تعليقات
إرسال تعليق